ابو القاسم عبد الكريم القشيري

55

لطائف الإشارات

أي ألقينا في قلبها ، وأوحينا إليها وحي إلهام ، فاتّخذت خاطرها في ذلك ، وجرى منها ذلك وهي مختارة باختيار أدخل عليها . لمّا وضعت أم موسى موسى كانت تخاف قتله ، فإن فرعون قتل في ذلك اليوم كثيرا من الولدان المولودة لبنى إسرائيل ، رجاء أن يقتل من رأى في النوم ما عبّر له أن ذهاب ملكه على يدي إسرائيلي . . فألقى اللّه في قلبها أن تفعل ذلك . ثم إنه ربّاه في حجره ذلك اليوم - ليعلم أنّ الأقدار لا تغالب . جعلت أم موسى موسى في تابوت ، وألقته في نيل مصر ، فجاء الماء به إلى بركة كان فرعون جالسا على حافتها ، فأخذوه وحملوه إليه ، وفتحوا رأس التابوت . فلمّا رآه فرعون أخذت رؤيته بمجامع قلبه ، وكذلك تمكّن حبّه من قلب امرأة فرعون ؛ قال تعالى : « وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي » : « 1 » حيث خلق اللّه ملاحة في عيني موسى ؛ فكان من يقع عليه بصره لا يتمالك من حبّه . قوله جل ذكره : [ سورة القصص ( 28 ) : الآيات 8 إلى 10 ] فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ ( 8 ) وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ ( 9 ) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ( 10 ) أخبر اللّه تعالى أنه كان عدوا لهم ، وقالت امرأة فرعون : « قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ » . فلم يكن لهما ولد ، وهم لا يشعرون إلى ماذا يؤول أمره . « وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْ لا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ » .

--> ( 1 ) آية 39 سورة طه .